لم تكن الحروب والأزمات المتتالية التي يشهدها قطاع غزة (وكانت آخرهم حرب 2023) عائقاً أمام طموحات أبناءه وتحقيق أحلامهم، حتى رغم كل الظروف القاهرة وتدمير كل منابع الحياة.
“هنا” برز من اختار أن يجعل من الصبر طريقاً، ومن الوطن أولوية لا تؤجل، وأن الإرادة قادرة على صناعة الأثر.
أنموذجٌ استثنائي الطبيب الشاب “حمزة أكرم أبو دقة”، خريج كلية الطب لعام 2024 من الجامعة الإسلامية بغزة، طبيبٌ لم يكتفِ بمداواة الجراح، بل قرر أن يُحول من الركام منارات العلم والأمل.
عقبات في طريق الحلم
في حديثه للجامعة الإسلامية قال د. أبو دقة: “اخترت دراسة الطب البشري إيماناً مني بأن الطب من أنبل العلوم بعد علوم الدين، إذ يجمع الطبيب بعلمه بين العبادة والعمل، فيرتقي بهما في الدنيا والآخرة”.
طوال سنوات دراسته من 2018م وحتى تخرجه عام 2024م، واجه تحدياتٍ جمة؛ من حروب وحصار، إلى ضغوط مادية تفوق طاقة الطالب، لكنه تحول إلى شعلة نشاط في تحقيق إنجازات علمية ومهنية لافتة، نشر خلال سنواته الدراسية الأولى عدد من الأوراق البحثية على المستوى الدولي والعالمي، وأضاف:”حصلتُ على فرصة تدريب سريري لمدة شهرين في تخصص الجراحة العامة وجراحة التجميل في Cleveland Clinic Abu Dhabi” ليكون بذلك أول طالب طب من غزة ينال هذه الفرصة المتميزة.
وأيضاً عمل ممثلاً لعدد من المؤسسات الطلابية والطبية التي تقود برامج وأنشطة تخدم طلبة كليات الطب في غزة وفلسطين وخارجها.
الأعظم في حياته
في نوفمبر 2023، وبينما كانت الحرب في أوج ضراوتها، قُدّمت للطبيب حمزة فرصة السفر إلى قطر ووضعته أمام خيار مصيري؛ لكنه رفضها واعتبر القرار “الأعظم في حياته”.
كان يؤمن أن للإنسان فرصة واحدة في العمر ليكون صادقاً مع رسالته، فبقي في الميدان طبيباً متطوعاً لمساندة أهله وطواقم غزة الطبية ويكتسب الخبرات والتجارب في ميدان الطب والحرب، فكان بقاؤه مفتاحاً لأبواب من الخير لم يكن يتخيلها.
مع اندلاع الحرب، وكان د. حمزة حينها في المستوى السادس بكلية الطب، اختار أن يكون حيث يجب أن يكون الطبيب. تطوّع في عدة مستشفيات وأقسام، أبرزها: قسم جراحة التجميل والحروق في مستشفى غزة الأوروبي، ضمن فريق طبي أُسس بصورة طارئة، شارك معهم إجراء أكثر من 1000 عملية جراحية متنوعة، وعلاج ما يزيد عن 5000 مصاب، إلى جانب العمل جنباً إلى جنب مع أطباء البعثات الطبية الوافدة إلى قطاع غزة، في تجربة إنسانية ومهنية تركت أثراً عميقاً في مسيرته.
مؤسس وحاضن
من أبرز محطات مسيرته، اختتام مرحلته الجامعية بـتأسيس وقيادة مكتب منظمة علماء بلا حدود الأمريكية في قطاع غزة، وهي من كبرى المنظمات الخيرية الداعمة للتعليم.
جاء هذا العمل استجابةً لعهدٍ قطعه على نفسه، بأن يكون للتعليم نصيبٌ من النهوض رغم الدمار. واليوم، بفضل الله، تكفل المنظمة مئات الطلبة الجامعيين، وتُنشئ مدارس تعليمية، وقاعات جامعية، ومختبرات عملية، ليغدو وعد الأمس حقيقةً معاشة، وثمرةً لإيمانٍ صادق بالرسالة.
وفي إطار دعمه للقطاع الطبي، أنشأ د. أبو دقة المستشفى الميداني التخصصي داخل مجمع ناصر الطبي ضمن إنجازاته في منظمة علماء بلا حدود، بالإضافة إلى تأسيسه حاضنة أطباء الامتياز، وهي جهة نقابية تتبع لنقابة الأطباء في غزة، تُعنى برعاية أطباء الامتياز علمياً، وتطوير مهاراتهم، ومساندتهم مادياً، لتكون مظلة حاضنة لهم في مختلف الجوانب،
رسالة وطموح
يحمل د. حمزة أبو دقة رسالة واضحة، قوامها أن تطوير النفس وبناء الذات يبدأ من العلاقة الصادقة مع الله، وأن من كانت غايته رضى الله سُخّرت له الإمكانيات وذُللت أمامه العقبات.
أخيراً، يطمح إلى نيل الاختصاص العالي والدقيق في إحدى الجراحات التي يحتاجها قطاع غزة، لخدمة آلاف المرضى من أبناء شعبه، بالإضافة إلى العمل من خلال رئاسته -للهيئة التمثيلية لمنظمة علماء بلا حدود- في غزة على جعل التعليم المدرسي والجامعي مجانياً بالكامل، وكفالة جميع الطلبة، والإسهام في إعادة بناء المدارس والجامعات بصورة أبهى وأعظم.
إن قصة د. حمزة أكرم أبو دقة شهادة حيّة ورمز حاضر في بناء مستقبل زاخر بالمعرفة والعلوم، وهو أحد خريجي الجامعة الإسلامية بغزة الذي جمع بين العلم، والإيمان، والمسؤولية الوطنية، في أصعب الظروف، وهي قصة طبيبٍ اختار أن يكون صاحب رسالة، وقائداً بالفعل، وقدوةً في زمن الحاجة رغم صغر سنه.
