في احتفالات تخريج الجامعة: عجوز يحدث زوجته العجوز الجامعة الإسلامية تكبر ولا تجاعيد على وجهها

مقدمتان صحفيتان عزيزتان على القلم الصحفي ربما لخصوصيتهما واستقطابهما أنظار قارئي المواد الإعلامية من مطلعها حتى منتهاها، هما: المقدمة الوصفية، والمقدمة الإنسانية، وقفت المقدمتان تتدلل كل منهما على الأخرى لعلها تترك لها مجالاً لتمهد مع القلم للعديد من الصور القلمية التي زخرت بها احتفالات تخريج الفوج السادس والعشرين، والذي أطلقت عليه الجامعة الإسلامية اسم “فوج القدس”، واحتار القلم بينهما، واستأذن منهما أن تسمحا له أن يتقدم في كتابته، على أن تراقبا المحطات التي سيسير بها بلا تجاذب، فوافقتا.

*****
المحطة الأولى للقلم كانت في أحد أيام احتفالات التخريج حيث جلس عجوز مع زوجته العجوز أمام قاعة المؤتمرات الكبرى بعد انتهاء حفل تخريج ذلك اليوم، وقد علت وجهيهما الكثير من التجاعيد، كانت تحمل قصص النكبة، وضعف وجود المدارس والجامعات في فلسطين مطلع القرن الماضي، ناهيك عن تعابير الكفاح والجلد، وإذا بالرجل يمسك مسبحته ويقول لزوجته: “انظري يا حاجة حتى التميز يكاد أن ينطق بلسان حال هذه الجامعة، صدقيني لو أنني لا أعلم أن عمر هذه الجامعة شارف على الثلاثين لقلت أن عمرها بحجم إنجازاتها يفوق المئة عام، إلا أنها تكبر ذلك بكثير، وحظها السعيد أن لا تجاعيد على وجهها”.

*****
وليس بعيداً عنهما جلست سيدتان بدأ الزمن يحكي حكاياته على طالعيهما، وقد اندمجتا مع مراسم حفل التخرج، وشعر القلم أن روحيهما تعلقتا بالخريجين والخريجات على المسرح، وفجأة قالت إحداهما للأخرى: “أتدري يا عزيزتي صدق من قال: “إن العلم نور”، كنت أتمنى أن يكون على عهدي مدارس لأتعلم بها، صدقيني لو أنهم قالوا لي بعد اليوم أن الجامعة الإسلامية تعتزم إقامة مركزاً لمحو أمية الكبار لجئت إلى الجامعة ركضاً، ووصلت قبل الشباب”.

*****
ويمضي القلم في تجوله، ويصل لمحطة أخرى، فيها مجموعة من الشباب الخريجين يضحكون، ويتمازحون، استعداداً للانتظام في الموكب، الذي يؤذن باقتراب بدء الحفل، وإذ بمجموعة من الضيوف يدخلون من بوابة الجامعة، فيستأذن أحد الخريجين من زملائه ليعرفهم على والده فيقول: “هذا أبي أعظم رجل عرفته في حياتي، وبكل فخر أبي يعمل اسكافي، وأنا الآن خريج جامعي متفوق”، وإذا بزميل آخر لهم يعرفهم على والده، قائلاً: “وهذا أبي، مصدر فخري أنا الخريج ابن بائع الخضار”، وأمام أحد مباني الجامعة تعلق بصر أحد الآباء بالمبنى وقال لولده الخريج: “ماهر من بنى هذا المبنى”، فرد ولده: “في نظري أنت أيضاً ماهر فقد بنيت الحجر وربيت البشر”.

*****
ويستمر تنقل القلم، وإذا به يقف بجوار طالبة أخذت تقبل يدي والدتها ورأسها، وتقول لها: “سامحيني يا ماما، سامحيني يا ست الحبايب، كم أثقلت على نفسك، وقمت بالكثير من أعمال المنزل؛ حتى توفري لي المزيد من الوقت لأذاكر، وأنجح وأتفوق”، وليس بعيداً عنها خريجة أخرى تحتضن والدتها قائلة: “آه يا أمي، من أجلي أنا وأخوتي ضعف بصرك من العمل في حياكة الملابس، بعد أن فقد والدي عمله بسبب الحصار الخانق المضروب على قطاع غزة، فلم يثنك ليل الشتاء الطويل والقارس عن حياكتها، ولا ظهيرة الصيف اللاذعة؛ وذلك حتى توفري لنا الرسوم الدراسية، و مستلزمات بيتنا الجميل”.

*****
ويواصل القلم سيره، ويصل إلى محطة جديدة، ولكن هذه المحطة يبدو أنها قد لمست أدق الأجزاء فيه، فتسمر أمام هيبتها: إنها خريجة أمسكت بأطفالها، واحتضنتهم، و لملمتهم تماماً كما تفعل العصفورة مع صغارها في عشهم، وقالت لهم: “إن والدكم القابع خلف القضبان أسيراً سيكون معنا، وستجول روحه حفل التخرج، فاجلسوا هادئين متزنين حتى لا يغضب منكم”.
وسمعتها خريجة أخرى كان بصحبتها أطفالها، فقالت لهم:” وأنتم أيضاً يجب أن تجلسوا مثلهم؛ لأن روح والدكم الشهيد ستحتفل معنا اليوم أيضاً”.

*****
ويتمالك القلم نفسه أمام هذه المحطات، وينتقل إلى حدائق الجامعة وساحتها الخضراء، إلى أن يجلس ليستريح على مقعد في الحديقة، وكان إلى جواره أسرة جاءت تشارك ابنتها فرحة تخرجها، وقد ضمت: الجد، والجدة، والأم، والأب، فنظرت الجدة إلى حفيدتها وقالت لها: “ما شاء الله يا إيمان كبرت، ونضج تفكيرك، وتوسعت مداركك، وسمت شخصيتك، وازداد إعجابي بك منذ التحاقك بالجامعة” يا حفيدتي: استحضر الآن صورتك وأنت طفلة عندما كنت تبكين طوال الليل، وأضع رأسك على ركبتي، وأهدهد عليك: “يا رب تنام إيمان وأذبح لها جوز الحمام”، ويبتسم القلم.

*****
وفي طريق عودته كان الليل قد بدأ يسدل أستاره، وما أن صعد السلالم حتى سمع صوتاً يجهش بالبكاء، فاقترب منه بدون ضجيج، وإذا به خريج قد اسند ظهره إلى عمود، انتحب باكياً على روح والده المتوفى، فقد كان يتحدث إلى صورة والده قائلاً: “كنت أتنمى أن تكون معي، ونأخذ سوياً صورة تذكارية”.
*****
قرر القلم أن يخرج ليأخذ مركبة يعود بها إلى منزله، وأمام بوابة الجامعة تجمع أناس كثيرون يريدون مركبات تقلهم إلى أماكن سكناهم، فهذا من رفح، والآخر من خانيونس، والثالث من دير البلح، والرابع من مخيم البريج، والخامس من حي الشجاعية، والسادس من الشيخ رضوان، والسابع من جباليا، والثامن من بيت حانون، وهكذا بدا الناس وكأنهم يتحدثون عن مدن، ومخيمات، وقرى، وأحياء، وحارات، وأزقة، فتعجب القلم لقد اجتمع في هذه الاحتفالات الناس من مختلف مناطق قطاع غزة، وهم الآن يهمون بالعودة إلى منازلهم، فقال: من يدري لعلهم يعودون بقصص نجاح الجامعة، ويتسامرون بها، أو يقصونها على مسامع أطفالهم قبل النوم، حتى تزورهم أحلام سعيدة؟!
*****
التفت القلم خلفه وقد ابتعد كثيراً عن المقدمتين الوصفية والإنسانية وقال لهما: “أرجوا أن تكون هذه المحطات قد عبرت عما أردتما أن توطدا للحديث عنه”.

x