من كتابات الأولى على الجامعة ليلة تخرجها: وطني. أمي. أبي. جامعتي.. أنتم مهجتي

“لا أعرف حتى الآن كيف مرت سريعاً أربع سنوات امتدت من عام 2003م حتى عام 2007م، حملت في طياتها أياماً جميلة من الكد والتعب والجني المثمر على مقاعد الدراسة الجامعية، إلى أن حانت لحظة ثقلت فيها المسئولية، وبدأ معها مشوار البناء الكبير”.
الرابع والعشرون من تموز 2007م يوم في حياتي، فهو يوم تخرجي من كلية أصول الدين بالجامعة، وحصولي على المرتبة الأولى على الجامعة بمعدل (96.4%)، بعد أن مَنَّ الله عليَّ بحفظ القرآن الكريم كاملاً وأنا في السنة الجامعية الثانية، وقبل ذلك بعامين وتحديداً عام 2003م أعلن عن اسمي” عبير الطرطور” من أوائل الثانوية العامة.

*****
أدركت يوم تخرجي من الجامعة في الفوج السادس والعشرين –فوج القدس- العديد من الأمور لعل قلمي يفلح أن يسجل في هذه الليلة الصيفية الكثير من معانيها.

*****
لقد فرحت كما يفرح الأول، حتى أن أسارير وجهي وتعلق عيناي بأهلي سمحت لنفسها أن تتحدث عني، لم أُخفِ في لحظات عديدة من يوم الاحتفال شعوري بالهيبة، نعم، إنها هيبة الموكب ورفعة رأس خريجي الجامعة الإسلامية، وما أدراكم كيف يحافظ المرء على هامته مرفوعة، ناهيك عن القسم وقدسيته والتزاماته الكبيرة، والنشيد وتعابير الولاء والانتماء التي يرددها العقل قبل القلب إيماناً بها، في هذا اليوم وأنا أعتلي مسرع قاعة المؤتمرات الكبرى مع الخريجين والخريجات تعلمت الكثير من اللغات التي لم ينطق بها لسان، فعرفت لغة العمارة وقد تحدثت عنها قاعة المؤتمرات المهيبة -كبرى قاعات فلسطين، وقرأت لغة الحنان بعيون الآباء والأمهات، وفطنت إلى لغة الالتفاف والتواصل من هويات ضيوف حفل التخرج، وليس بغريباً عنها لغات عديدة، مثل: الدقة، والترتيب، والبشاشة، وحسن الطالع.

*****
لقد ارتبطت كلمة “الحفل” في أذهان الناس بالفرح حتى حسب البعض أن لا دمعة تجري فيه إلى من أجله فقط، ونسي هؤلاء أن لدى الكثير من الناس من لا تكتمل فرحتهم إلا بهم، لقد أدركت ذلك يوم أن أطل موكب أعضاء هيئة التدريس بكلية الشريعة والقانون ولم يكن بينهم الدكتور محمد يونس، الذي وافته المنية في وقت سابق من العام الدراسي الجاري، ووجدته في عدة أيام نودَّيَّ فيها على خريجين كانوا قد قضوا شهداء، وآخرين علقوا على معبر رفح البري، ولن أنسَ يوماً انفطر فيه قلبي، فقد كان يوم حفل تخريج طلبة كلية العلوم يوم أن منحت الجامعة شهادة فخرية للطالبة ميساء البطنيجي من قسم الكيمياء، التي انتقلت إلى جوار ربها جراء مرض مفاجئ، لحظة أن صعدت أم ميساء إلى مسرح القاعة لتتسلم من رئيس الجامعة هي ووالدها شهادتها، ثقلت قدماها على المسرح، ولم تستطع المواصلة حتى تريثت، وواصلت سيرها وهي تنظر إلى الخريجات، لعلها كانت تفكر أين من المفترض أن تجلس ميساء حال كونها على قيد الحياة.
وأما عن يوم فرح خريجي التربية فثمة قشعريرة سرت في جسدي، والسبب وجود اثنين من مبعدي مدينة بيت لحم بين الخريجين، وكأن روحيهما طارتا كحمامتين زاجلتين إلى مدينة بيت لحم حملتا رسائل الصمود والثبات واللهفة على اللقاء، وعادتا تحملان بطاقات تهنئة زادت محياهما وقاراً، أضف إلى أنني وجدت في أيام احتفالات التخرج السابقة لحفل تخرجي قلوباً مبصرة لم يثنها فقد البصر عن تحصيل العلم النافع، وإفادة الآخرين به.

*****
بقيت وأنا أجلس بين أخواتي على المسرح أنقل نظراتي بين والدي الذي تجاوز عمره الثمانين عاماً، ووالدتي ذات الستين سنة، استحضرت شريطاً طويلاً من الذكريات مكنني بعون الله من التفوق والجد، والمثابرة والصبر، والإخلاص والأمل، فكلما نظرت إلى أمي تذكرت صلواتها ودعاءها، وتذكرت تلميحاتها عندما تجهز لي دوماً عصير الليمون، وتقول لي: “يجب يا عبير أن تتعلمي كيف نصنع من الليمون شراباً حلواً!”، وحَضَّر أمامي حنانها ورقتها وأنا أذاكر حتى تكاد عيناي أن تلتهمان الكتاب فكانت تحضر لي الشاي المعطر بالمريمية في ليالي كانون القارسة البرد، وبالنعناع في عصر تموز الحار، وتتفقدني ليلاً ربما كانت الكتب والأوراق وسادتي.

*****
وما أن أدير عيني عن أمي حتى أصل بهما إلى أبي، هذا الرجل التنشئة فبالرغم من منزلنا البسيط إلا أنه بقي دوماً منزلاً متيناً ولم يكن محطماً، وعلاقاتنا كانت دائماً عميقة ولم تكن ضحلة، فكان بعقده الثامن الجد، والأخ الأكبر، والأهم أنه كان الأب الإنسان.

*****
“عبير الطرطور” إنه اسمي جاء دوري لأتسلم درع تفوقي وأعود إلى مكاني على المسرح، ثم أستلم شهادتي، وبعدها أقسم مع إخواني وأخواتي الخريجين والخريجات قسم الخريجين، وأنشد نشيد الجامعة، وألوح لأمي وأبي وأحبتي، وأعبر عن فرحي، وأخرج من القاعة إلى ساحة الجامعة أسير بين المرافق، أقف وسط الحرم الجامعي وأقول: “يا الله هنا المكتبة فيها بحثت، ونقبت، وزرت العالم من جهاز الحاسوب، وهناك مباني القاعات الدراسية، وتلك مباني الخدمات الإدارية، والحدائق، والملاعب، والساحات، والمختبرات العلمية والهندسية، وعطاء أسرة الجامعة، ومسيرة ثلاثين عاماً نمت فيها وازدهرت، فقلت في داخلي: “:هنا تفتحت زهرةُ شبابي”.

*****
نظرت تجاه أمي وأبي وقد كانا ينتظران عودتي فعدت، ووجدتهما يقفان بجانب شعار حفل تخريج الفوج السادس والعشرين، وإذ بوالدي يقول لوالدتي: “انظري ما أجمله من شعار هي الجامعة الإسلامية في قلب شعار الفوج الموشح بعلم فلسطين”، فضممتهما إليًّ وقلت: “فلسطين وأنتما والجامعة الإسلامية مهجتي”.

x