ماهر حبوش

خريجٌ من الجامعة الإسلامية يتوشّح الميدالية البرونزية في مسابقة كمال الأجسام العالمية

04 - شباط - 2020


"أربع ميداليات لفلسطين في بطولة "كأس الخليج الدولية" لكمال الأجسام" هكذا أعلنت الصحف الإخبارية عن فوز بعثة فلسطين في بطولة "كأس الخليج الدولية" المُقامة في إمارة دبي بدولة الإمارات العربية بمشاركة ما يقارب (500) لاعبًا من مختلف الأوزان المعتمدة دوليًا، حيث حصد خريج الجامعة الإسلامية ماهر حبوش المرتبة الثالثة فيها.

سيناريو الفرح بين غزة والإمارات

مشهد الفرح في دولة الإمارات كان له وقعٌ خاص على روح المتنافسين، لا سيما بعثة فلسطين لهذا العام ومن بينهم ماهر حبوش، ولم يكن مشهد الفرح في غزة أقل منه تميزًا. من الطبيعي أن تكتظ المنازل بزيارات الأهل والجيران والأقارب لأيام عديدة في خضم التجهيزات المتتابعة لمناسبات الزواج أو الوفاة، لكن أن يرتدي حيٌّ بأكمله حُلل الزينة وتشهد الأم على توافد الأحباب إلى منزلها وإطلاق الزغاريد؛ لتهنئتها بفوز ابنها في المسابقة الدولية لكمال الأجسام؛ لهو المشهد الأكثر غرابةً ونُضجًا وابتهاجًا لأهالي الحي قاطبة. كان هذا هو الفصل الأكثر تميُّزًا وأصالةً في حياة ماهر حبوش الأخيرة- أي بعد الفوز- وما لبث يذكر فرحة تخرجه من الثانوية العامة، ثم التحاقه بقسم المحاسبة في الجامعة الإسلامية، حتى أفلتَت منه العبارات أمام هذه الصورة الوافية عن مشهد الفرح في بيت والده؛ ومثله لم يتكرر في حياته سوى موقت زواجه.

 كان والداه –كما يصف- هما الركيزة الأساسية التي بنى عليها آماله، فأبوه كان يوفر له مؤونة الطعام الصحي والاشتراك في النوادي الرياضية منذ أن كان عودُه أخضرًا، ومن جهة أخرى، كانت أمه تسقي هذا الاهتمام ببذور الأمل بأن يغدو ابنها بطلًا يومًا ما، وها قد تحقق مبتغاها، يُردف حبوش: " تُرفع القبعة لزوجتي؛ الجندي المجهول"؛ وذلك لأنها كانت تُسعفه بتحضير الوجبات الخاصة بالرياضة، وتُهدهد تعبَه وتوتره عندما تحين البطولات المحلية والدولية.

بين الطفولة والشباب

عكف حبوش طيلة حياته على تنمية مهاراته الرياضية منذ أن كان شبلًا، ويأخذه التذكار بكل جميل إلى عمر السادسة، لمّا ألهمَه خالُه تعلُّم فن كاراتيه الدفاع عن النفس ورياضة الكونغ فو، حيث وجد حبوش في هذه الرياضة تمرينًا لجسده اليافع وترويضًا لشقاوته المعهودة؛ رغم تميزه في تحصيله العلمي. وفي عمر الثامنة عشر، نشأت علاقة وطيدة بين حبوش ورياضة كمال الأجسام والقوة البدنية، فصار يرتاد نوادي الرياضة القريبة من منزله، وصار مُولعًا بمتابعة صور الأبطال العالميين كأرنولد شوراسينجر، وكيفن ليفرون، وروني كولمان، والأبطال العرب: مثل كمال القرقني، فضلًا عن مشاهدة أفلام الرياضة والمجلات العالمية، ليجد نفسه محاطًا بصنوف المعرفة المختلفة عن رياضة القوة البدنية، ثم لم يبرح على عتبة هذا المجال، حتى تلقّفه نادي الرياضة في الجامعة الإسلامية؛ ليكون المحطة الأولى له نحو الريادة في كمال الأجسام.

من الجامعة الإسلامية إلى البطولة العالمية

بينما كان حبوش يصنع مستقبله بدراسة تخصص المحاسبة في الجامعة الإسلامية، آثر أن يَهب نصف وقته الآخر إلى ممارسة شغفه بكمال الأجسام، فصار منعكفًا في محراب الرياضة والمحاسبة في آنٍ واحد؛ يستلذّ بوضع الخطط الزمنية لإحداث التناغم بين هذه وتلك، وبالتوازي. يُفيد حبوش بأنه اختار تخصص المحاسبة دونما الرياضة؛ لكي يستطيع إيجاد عمل فيما بعد يُدرّ عليه فائضًا ماليًا يتدبر فيه أمور بيته، وتكاليف التدريب، والأطعمة الصحية، والمكملات الغذائية التي تستوجبها رياضة كمال الأجسام؛ فيكون بذلك قد أطعم شغفه من فُتات تخصصه. أما عن فترة الدراسة، فقد مهّدت العديد من العروض الرياضية والبطولات التي انعقدت في ملعب الجامعة وخارجها الطريق له ليكون الاسم الأبرز في نادي الرياضة الجامعي؛ الأمر الذي دفع رئيس النادي لتنصيبه مشرفًا على التدريب؛ ونتيجة لهذا التميز، كوفىء حبوش بإعفاءٍ من دفع الرسوم الدراسية طيلة فترة الدراسة، كما أنّ تكدس الدروع والهدايا التي كان يتلقّاها عقب كل مسابقة قد استفز بداخله عنصر التحدي والإصرار والمواصلة في ذات الدرب. يُعقّب ويقول: "كان إعفاء الرسوم أشبه بمنحة الإمتياز، لطالما كنت أشعر بأنني أحمل وسام التميز؛ لكن على صعيد مختلف، أهمية الأمر عندي لم يكن في الحصاد؛ إنما في السعي والمثابرة".

انتقل حبوش من ربوع الجامعة إلى نوادٍ مختلفة عام 2013؛ ليتسلّم دفة التدريب فيها بعائد مالي، وكان يقضي وقته من الثامنة حتى الثالثة في عمل المحاسبة، ثم منها وحتى الحادية عشر ليلًا في التدريب في النوادي الرياضية: أربعة أعوام في نادي الجامعة الإسلامية، عامان في رويال ليتني، أربعة أخرى في نادي أكسجين، وقتًا لا بأس به في نادي رويال فتنس، ثم نادي الاتحاد الفلسطيني لكمال الأجسام. وكانت تلازمه في كل مرحلة، حالةٌ صارمةٌ من المحافظة على الوزن المثالي، والتمرين المتواصل وحمل الأثقال؛ ليلمع نجمه بعد ذلك بالمرتبة السادسة في بطولة دبي لعام 2018، ثم ليُولد عامٌ آخر يترعرع فيه شغفه وحسّ التحدي لديه، فيُتوّج بالمركز السابع في بطولة آسيا للعام 2019، وقبل أن تبرد الهمة وتتذبذب روح المنافسة لديه، وقبل أن ينتهي عام 2019، تكلّل نجاحه بفوزٍ أعظم في بطولة جالف كلاسيك الدولية؛ ليُهدي فلسطين المركز الثالث وبجدارة، ويتحقق بذلك حلمه الذي سعى إليه: "أن يرفع راية بلده خفّاقة في الأوساط الدولية".

الملوخية والباميا تحدياتٌ وانتصارات

قلّما تجدُ من يقف الطعام حائلًا أمام تحقيق طموحاته، بينما كانت الملوخية، والباميا، وأصناف الطعام اللذيذة الأخرى أشهى العذابات التي تنمّرت بوجه حبوش في رحلة كمال الأجسام، يقول معلقًا على ذلك: " حُرِمتُ لذة الانضمام إلى أهلي أثناء تناول الفطور في رمضان؛ حيث كنت أجلس وحيدًا مع طعامي الخاص "الدايت"؛ كي لا تغريني وجبات أمي اللذيذة، ثم هلّ العيد بصنوف الكعك والمعمول ولكن هيهات! كانت السكاكر عدوّي الأول، أمّا المشاوي والمسلوق فكانا رفيقاي في درب الرياضة البدنية". وبعد ذلك التعب وتلكم المجاهدة، كان البطل حبوش يتلقى صفعاتٍ مثبّطة من كل حدبٍ وصوب: " لماذا كل هذا البذخ على الطعام الصحي، هل ستُفلح باحتراز الميدالية العالمية، وهل ستقدر على مجابهة الأبطال العالميين، ثم هَبْ أنك كنت قادرًا، هل ستجد طريق السفر سهلًا في ظل إغلاق المعبر المتكرر".

كانت ردود الماهر حبوش تتراءى للعيان في التمرن على الصبر حيال ثرثرة المثبّطين تمرّنَه على حركات الرياضة، وانصياعه لقدرته الداخلية، التي لا حد لها ولا زمان ولا مكان، والمواظبة على عنصر الاتزان بين الأكل والتدريب؛ فمن لم تُشرق شمسُه بالصبر، انجرف مع أول هبوب للرياح.

وقد ظهرت ملامح الاتزان والصبر جليّةً في صالة الانتظار بمعبر رفح، لمّا كان مسافرًا إلى المسابقة العالمية لكمال الأجسام، حيث لم يُطِق الانتظار كغيره؛ بل شهد المسافرين على المنظر الأكثر غرابة هناك، والذي تجسّد بممارسة التمارين وحركات القوى البدنية مع زملائه في المطار وصالة الترحيلات.

امتنان

قطوف من الشكر والعرفان يُرسلها ماهر حبوش إلى المدرب أبي ضياء في نادي الجامعة الإسلامية، الذي سهل له الحصول على إعفاء من الرسوم الدراسية، ثم إلى رئيس الاتحاد الفلسطيني لكمال الأجسام الذي لم يألُ جهدًا في التنقيب عن مصادر الدعم المالي للمتدربين، ومن غزة إلى السعودية، اعترافٌ بالامتنان للمدرب الدولي محمد نور الدين المصري الذي حفزه للمشاركة في البطولات الدولية.

لفتة

هناك من يُشرق بداخله حبُّ العلوم الطبية أو الأدبية أو الدينية، وهناك أيضًا من يتوسّد ظلال الرياضة، فيُوليها جُلّ وقته وطاقته واهتمامه كالمهتدي إلى شجرة وارفة أغصانُها مثمرة، حيث يرى فيها ما يراه الطبيب في مهنة الطب أو المعلم في مهنة التعليم، غيرَ أنها ليست بمهنةٍ تُمتهن وإنما نهجُ حياة ومبدأ يمثُل أمامَها بكل طواعيةٍ ومحبةٍ ورغبة. هو ذاك الشيء الذي يسميه أهل الطموح بالشغف. الشغف الذي يبدأ بفكرة تلمع في مخيّلة ابن آدم، ثم تنمو بالاهتمام والمواظبة، قد تضعفُ حينًا وتعظُم حينًا آخر ولكنها تظل تكبُر وتكبر حتى تتجذر في روح الإنسان كالشجرة المعمّرة في التراب وافر الخصوبة حيث يتملكها الترابُ بكاملها، وما إنْ يتملك الواحدُ شغفَه حتى يغدو مطيّته السّبّاقة نحو تحقيق الطموح وبندقيته التي يصوّب بها على هدفه، فيصيبه بدقة بالغة دونما تردد أو تلكؤ، ثم كم يحلو له انتشاء لذة إصابة الهدف بعد المجاهدة أو -بمعنى أدق- انتشاء لذة احتراز المرتبة الثالثة في المسابقة العالمية لكمال الأجسام.