"ربيع" كان لحياته من اسمه نصيب

فأزهر في ربيع عمره في تعلم علوم القرآن والعلوم العربية

04 - كانون الأول - 2019

في ربيع عمره أزهر فحفظ كتاب الله كاملًا منذ صغره، وفي صباه انتقل لعالم العروض، فأبحر في الشعر، ليتخطى أمواجَ فاعلاتن مستفعلن ومفاعيل مفعلات، فتنقل بين علوم الدين والدنيا، فتارةً تجوّل بين طرقات العلوم العربية من النحو والصرف، والأدب والبلاغة، وأخرى بين جنبات علوم تفسير القرآن، والفقه، والحديث النبوي، والعقيدة، والقراءات العشر، فكان خير من ينطبق عليه قول ابن عطاء الله السكندري "رُبّ عمر اتسعت آماده و قلت أمداده، و رب عمر قليلة آماده كثيرة إمداده".

بداية المشوار

الطالب في مرحلة الدراسات العليا في قسم اللغة العربية ربيع زاهر الطناني، والذي تجاوز ثلاثة وعشرين ربيعًا من عمره، تخرّج في مرحلة البكالوريوس من كلية الآداب بالجامعة الإسلامية يتحدث عن بداية مشواره مع علم العروض: "في بداية معرفتي بعلم العروض كنت أكرهه وبشدة، وعندما جاءت الاختبارات النهائية في الفصل الأول من الصف العاشر لم أكن أفهم شيئًا في علم العروض، وخسرت علامتين في الاختبار في علم العروض".

ويردف: "بعد ذلك أزمعت أن أتعلم علم العروض علمًا متقنًا، فلم يأت الاختبار في نهاية الفصل الثاني إلا وأنا متقن لعلم العروض إتقانًا كاملًا وقد كنت أعرف بحر البيت ورويه وزحافاته وعلله في ثانية واحدة".

قرأ ربيع في مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر ما لا يقل عن خمسة كتب في علم العروض كل كتاب لا يقل عن 300 صفحة، انقسم كل كتابٍ إلى قسمين: علم العروض، وعلم القوافي، وكل علم مختلف عن الآخر لكنه في نطاق الشعر.

 يوضح الطالب الطناني أن كثرة قراءته الكثيرة للكتب في علم العروض جعلت لديه أذنًا موسيقية يستطيع من خلالها أن ينتبه إلى بحر البيت وزحافاته وعلله.

ويؤكد الطالب الطناني على أنه توصل لهذه المرحلة المتقدمة بفضل الله ثم بفضل القراءة التي وصلت في اليوم الواحد إلى10 ساعات، وفي أحيان أخرى تصل إلى 14 ساعة.

تشجيع ودفع

كان الدكتور فوزي أبو فياض والأستاذ الدكتور عبد الخالق العف -عضوا هيئة التدريس في قسم اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بمثابة دافع للطالب الطناني في علم القراءات والأدب، وبثقة تملؤه: "كنت قويًا في النحو والصرف واللغة والشعر والعروض والبلاغة، ويشهد بذلك محاضراتي التي كنت أحضرها وأنا طالب في الجامعة".

كما لم ينسَ الطالب أن ينسب الفضل لرجل من خارج غزة ، فيقول: "كنت أتابع دروس الموطأ للشيخ المغربي العلامة/ سعيد الكملي، وقد رأيت منه قوة في النحو والصرف بل من خارجها واللغة والأدب والشعر والقراءات والفقه والحديث والتفسير والمنطق وباقي العلوم".

ويتابع: "ظللت متابعًا له وحفظت منه أمورًا كثيرة في اللغة والنحو والصرف والأدب والشعر والبلاغة، فدفعني ذلك إلى تعلّم علوم العربية علمًا علمًا، فقد كنت متقنًا لعلم العروض ثم اتجهت بعد ذلك إلى الأدب العربي من التراث القديم".

مراحل تطور القراءة

 وعكف الطالب الطناني على حفظ الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي، فحفظ المعلقات السبع قبل التحاقه بمرحلة البكالوريوس في الجامعة الإسلامية.

وفي بداية الفصل الدراسي الثاني من السنة الدراسية الأولى في الجامعة بدأ الطالب الطناني مسيرته في علم النحو فقرأ فيه شرح قطر الندى وبل الصدى وشرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب وبحاشية منتهى الأرب لمحمد محيي الدين عبد الحميد، وكلا الكتابين للإمام ابن هشام الأنصاري، لافتًا إلى أنه قرأ نصف شرح ابن عقيل وهو مازال طالبًا في السنة الثانية، وقد كنت أقرأ كثيرًا من كتاب ابن هشام العجيب البديع المسمى "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب".

لم يُشبع ربيع حاجاته من القراءة فبعد علم النحو اتجه إلى علم الصرف؛ كونه أم العلوم ويجب على الطالب أن يقرأه في البداية قبل كل العلوم، فقرأ فيه ما ذكره ابن مالك في ألفيته ابتداء بجموع التكسير، وقرأ لاميته في علم الصرف المسماة "لامية الأفعال" التي تتألف من 114 بيتاً وحفظها عن ظهر قلب، وقرأ إضافات بحرق عليها، وتوشيح ابن زين عليها، فوصل عدد أبياتها مع الإضافات والتوشيح إلى 195 بيتاً، وقد قرأها وحفظها واعتمد في ذلك على كتاب: "حصول المسرة بتسهيل لامية الأفعال بزيادة بحرق والاحمرار والطرة".

انتقل بعدها إلى علم البلاغة وقرأ فيه المفتاح للسكاكي، وكتاب علوم البلاغة للدكتور عبد العزيز عتيق، وحفظ الجوهر المكنون في صدف الثلاثة الفنون، والجوهر المكنون منظومة لعبد الرحمن الأخضري لخص فيها "تلخيص المفتاح" للقزويني.

علوم الدين والدنيا

وكان للعلوم الشرعية ما بين قرآن كريم وحديث نبوي وعقيدة وفقه وتفسير جانب كبير في حياة الطالب الطناني، فيؤكد على أنه حفظ كتاب الله في صغره وعددًا من الأحاديث النبوية، وقرأ في العقيدة الطحاوية وشرحها، وحفظت في علم العقيدة منظومات كثيرة، وقرأ في الفقه الشافعي كتاب الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، وفي الفقه المالكي كشف المغطى بشرح الموطا.

"نعم كنت أحب القراءة كثيرًا وقد كانت لدي منهجية في القراءة وهو أنني أبدأ باليسير ثم الأصعب شيئًا فشيئًا" الكلام للخريج الطناني، ويشير إلى أنه في علم التفسير لكتاب الله: بدأ بتفسير الجلالين، ثم بتفسير السعدي "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، ثم بتفسير الصابوني "صفوة التفاسير" ثم بالتفسيرين الكبيرين: تفسير الطبري وتفسير القرطبي، تفسير الطبري المسمى "جامع البيان عن تأويل القرآن"، وتفسير القرطبي المسمى "الجامع لأحكام القرآن".

"إذا لم تكن حافظًا واعيًا *** فجمعك للكتب لا ينفع"، تلك الكلمات التي دفعت الخريج الطناني إلى حفظ المنظومات في شتى العلوم، فيقول: "كانت أولى محفوظاتي ألفية ابن مالك في النحو والصرف، ثم أتبعتها بلامية الأفعال لابن مالك".

وقد كان الهدف من حفظ الألفية الاستشهاد بأبياته عند ذكر القواعد النحوية، كما أن هناك مقولة تقول: "من حفظ المتون فقد حاز الفنون".

وعن السابق لم يكتفِ بالسابق حفظت متوناً متنوعة في شتى العلوم، فقد حفظ في علم القراءات القصيدة الموسومة بالشاطبية وفي علم الرسم العثماني القصيدة الموسومة بالرائية "رائية الشاطبي"، وفي علم الحديث: حفظ البيقونية، وفي الوقت الحالي بصدد حفظ ألفية العراقي.

أما عن علم التجويد يقول الطالب الطناني: "حفظت التحفة والجزرية ومنظومة الطيبي، وفي السيرة النبوية حفظت الأرجوزة الميئية".

ويردف: "وفي علم العقيدة حفظت منظومات كثيرة منها: نظم على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، حائية ابن أبي داود، سلم الوصول إلى علم الأصول في توحيد الله واتباع منهج الرسول، الجوهرة الفريدة في علم العقيدة، وفي اللغة نظمي مثلث قطرب، والتبري من معرة المعري.

 وفي النحو ألفية ابن مالك وملحة الإعراب والمنظومة الشبراوية ومتن الآجرومية وميمية القرطاجني، وفي الصرف لامية الأفعال، وفي البلاغة الجوهر المكنون في صدف الثلاثة الفنون، وحفظت متوناً في الزهد والنصيحة مثل: ميمية الحافظ بن أحمد الحكمي، وتائية الإلبيري، ونغمة الأغاني في عشرة الإخوان.

ويقرأ الطالب الطناني بالقراءات العشر على الشيخ المقرئ/ هاني إبراهيم العلي، الأمر الذي كان له علاقة كبيرة قوية بينه وبين علم النحو، فاختلاف القراء في الكلمات يؤدي إلى اختلاف الموقع الإعرابي.

القراءة خير معين على أن يكتشف الإنسان الخطأ اللغوي والنحوي في ذلك فالتعود على القراءة والتمكن منها يساعد في اكتشاف الخطأ مباشرة، واستحضار الشاهد من المنظومات أو القول من أمهات الكتب فهذا يعتمد على سرعة استحضار الذاكرة للمعلومات، وهذا يأتي بالممارسة الشديدة والقراءة المكثفة.